الأشياء التي تمنح عرشا.. 1 ديسمبر 2009
Posted by نوف السعيدي in هلوسة.4 comments
للزمن إذا أكل على شيء أو شرب نعمة تحويله إلى كنز. يبدو أنها ليست الأشياء وحدها من تصبح تحفا أثرية بعد مرور الزمان عليها، إذ تتحول مهمتها من القيام بعمل ما، إلا رمز قديم لا يحمل سوى تاريخه وماضيه المقضي في أداء العمل. صدقوا أو لا تصدقوا أيها الأصدقاء أن الإنسان مثله مثل “جحلة” الماء أو “قفير” التمر ما إن يكبر حتى يعطل من مهامه، ويوضع خلف الزجاج ليعتنى به، أو يرمى في أسوأ الحالات.
أرجو أن تسمحوا لي بأن أخبركم عن والدي. أبي رجل مريض في خريف العمر، كبر –مثل كل اللذين يكبرون- ليجد نفسه تدريجيا وراء الزجاج، ينظر إليه من بعيد، وينال قسطا وافرا من اهتمام الجميع. هذا الإهتمام المبالغ فيه يجعل الإنسان يشعر بأنه تحفة أثرية، لم تعد ضرورية.
كنا في السيارة وكان أخي من يقودها، وأبي بجانبه، وحين أراد أخي أن يشرب ناول أبي قنينة الماء؛ ليفتحها. أدرك تماما أن أخي الذي يستطيع أن يفعل أي شيء أثناء القيادة، كالتهام الساندوتش، أو كتابة رسالة نصية، كان بإمكانه أن يفتح القنينة، أو على الأقل أن يمررها لي لأقوم بالمهمة، غير أنه اختار عامدا أن يعطيها والدي ليمنحه –ولو بمقدار ضئيل- الشعور بأنه لا يزال محتاجا له، وأن وجوده أساسي. ذلك السلوك البسيط المدبر أعاد أبي إلى كرسي العرش، وتوجه من جديد. كذلك أنا وأنت، وأنتِ، وهي ،وهو، كل لديه حاجة صغيرة ما إن تلبى حتى يعتلي عرشه، والذكي من يعرف كيف يتوج الآخرين من حوله.
بالنسبة لجدة طيبة فالخطوة الأولى لحفيدتها الأولى تمنحها عرشا، بالنسبة لعاشق مغترب فصوت حبيبته يمنحه عرشا، بالنسبة لطالب في سنته الأخيرة فلا يلزمه أكثر من بضعة مصادر تساعده في مشروعه لينال العرش، بالنسبة لشاعر ينظر من بعيد فقصيدة حقيقية يطاردها من سنين قد تمنحه العرش، وقد تمنحه إياه موجة تلقي على قدميه سرا.
توجوا من تحبون.. وحاذروا من تحطيم عروش الآخرين، فذلك جد موجع ..
صحار
1/12/2009