jump to navigation

نربي الأمل .. نربي الذرة! 22 يناير 2010

Posted by نوف السعيدي in حديث ساخر.
trackback

“هُنا ..
عند منحدرات التلال ، أمام الغروب
وفوّهة الوقت ..
قربَ بساتين مقطوعة الظل ..
نفعلُ ما يفعل السجناء
و ما يفعل العاطلون عن العمل

نربّي الأمل ..”

ربما لا يكون درويش هو أول من اخترع قضية (تربية الأمل) هذه، بالنسبة لي على الأقل. فحين كنت في العاشرة، فكرت في أنه سيكون من الذكاء أن نصنع الفراخ (بضم الفاء، وتشديد الراء بأقصى ما تستطيعون) في المنزل. كانت الخطوة الأولى هي زراعة الذرة في الحوش. ورغم أن لا خبرة لي في أي شيء له علاقة بالفشار سوى أكله. إلا أنني بدأت في مشروعي العظيم. حرثت، ثم أنني بذرت، ومضى شهر دون أن تخرج ولو نصف نبتة ، بل أنني لم أرى شقا حقيرا واحدا بطول الأرض المحروثة. ثم علمت أن البذرة إذا ما بالغنا في دفنها لا تنجح في الخروج!

أحضرت بذورا أخرى، ولم أجعل بين البذرة والهواء غير شريحة رقيقة من التراب سمكها لا يتعدى سمك الورق الذي تلف به ساندويتشات الشوارما. وما هو إلا نهار وليلته، أمطرت بعدها السماء، وذهبت المياه بما بذرت.

بقيت في حال من الإحباط، إلى أن أخذ والدي بيدي وقال: “إن البذرة كالجنين داخل البيضة، إن كانت القشرة صلبة هلك فيها، وإن ساعدته في الخروج بإزالتها، نشأ ضعيفا ومات بعد أيام. لقد أوصاني عمكِ قبل موته بالقول الحظ هو الأمل الذي نربيه، ربِ الأمل لتعيش!”، وبالرغم من أنه يصعب علي (والياء مشددة هنا أيضا) تصديق أن عمي الذي قيل أنه كان يلمع خنجره ذات يوم، ثم أنه تناول غداءه الذي كان مسموما، وحين مال ليتقيأ السم اخترق الخنجر – دون قصد- بطنه، فأطلق صرخة ثار على إثرها جمله فدهسه بكل ثقله – بالرغم من أنه يصعب علي تصديق أن عمي كان يمكن أن يوصي بأي شيء قبل هذه الميتة المعقدة، فما بالك بوصية عن الحظ والأمل، لكني اخترت العمل بالوصية على أي حال، ولو لهذا اليوم على الأقل.

فعلى غير العادة استيقظت صباحا وأنا لا أشعر بأي نوع من الاكتئاب، أو الحزن، أو الحنق تجاه أي شيء أو أي شخص حتى نفسي. ولأنه أمر مفاجئ فقد شعرت بعجز تام عن التعامل مع الوضع الجديد. شعرت أن الأقدار لا تقف في صفي كعادتها. حاولتُ فتح الكتب الدراسية، ولكن سرعان ما تذكرت أن الاختبارات النهائية قد انتهت. حاولت مشاهدة الأخبار وإذ بالتلفاز لا يعمل. قرأتُ كل دواوين الشعراء الذين ماتوا مرضى أو منتحرين، ولكن مزاجي بقي سعيدًا، حينها فقط أدركت أنه قضاء لا يرد، و”لا ترد المنايا كثرة المال” !!

وبدأت أتساءل ما الذي قد يفعله إنسان سعيد في صباح سعيد؟! وفي خضم هذه الأشياء السعيدة تذكرت جدي ال”سعيد” هو الآخر. بالمناسبة لا أعتقد أنني حدثتكم قبلا عن جدي الأكبر “سعيد”، قد لا أعرف الكثير عنه، ولكن من خلال ما وصلني من أخباره أعتقد أنه أكبر كاذب في التاريخ العماني. كما أؤمن بقوة أنه يقطن الجحيم الآن. بالمناسبة فالجحيم ليست بالمكان السيئ على الإطلاق، فهو -أي جدي- إن كان محظوظا، وإن كان هناك كما كان هنا “يعرف يضبط أموره” فلا بد أنه الآن بجوار مارلين مونرو، يـ… (أصمتي يا ملعونة أنت تتحدثين عن جدك !)، آه من هذا العجوز في رأسي، يلعنني رغم أني لم أقل سوى أنه (بجانبها)، وهي كلمة في غاية العفة مقارنة بالكلمات البديلة التي كانت تحوم  في خاطري. بالمناسبة أيها الأصدقاء فاللعنة هي أيضا ليست بذلك السوء، صحيح أنني لا أملك ما أبرر به هذه الفكرة، لكن لدي شعور قوي أنني سأقنعكم بذلك ذات يوم. ما داموا يقولون أن إسرائيل ستزول من الوجود (ذات يوم)، فلا أعتقد أن هناك ما هو مستحيل الحدوث في هذا الـ(ذات يوم). وما علينا سوى أن نربي الأمل.

هذا اليوم لم يكن سيئا أبدا، فالأقدار أحيانا تقدم لك فرصا جاهزة، وكأنها تعتذر عن إساءتها لك في الماضي. فرصة سهلة كالفوز في “دور أونو” تخوضه ضد شخص مصاب بعمى الألوان، يصرخ منتشيا بوهم الإنتصار، ثم يضع ورقته الأخيرة الحمراء، على كومة الورق الأخضر، حينها لا تكون حصلت على فرصة للفوز فقط، بل وعلى مسرحية كوميدية حية. وما زلت أضحك رغم وصية جدي الـ”سعيد” بأن لا نضحك على عيوب الآخرين. حين أتذكر وصيته هذه أفكر بإن جدي إما أن لا يكون بالسوء الذي أتوهم، أو أن أبي يحب اختلاق وصايا، ويدعي أنها لأشخاص ميتين.

عموما ففي هذه الحياة،  أمور ليست بالسيئة، وأمور أخرى يمكننا التحايل عليها، حتى تصبح أقل سوءا. وتربية الأمل قد تكون من ضمن هذه الأشياء  القليلة التي لا تبدو سيئة على الإطلاق.

22/1/2009

صحار

تعليقات»

1. emom - 22 يناير 2010

نوف كل مرة تحاولي تكوني سعيدة بنت سعيد السعيدي تذكري انك نوف وانه الدوام بييدا بعد اقل من اسبوعين

have fun sweet

بس ما وايد

:]

2. رحمه ال خليفين - 22 يناير 2010

جميل

كم انا بحاجه لتربيه آمال وليس املا كعمانيه عاطله عن العمل

3. سوير - 23 يناير 2010

:)
تلوني بالسعادة
وابتسمي

4. princess44 - 23 يناير 2010

وبعدين مو صار بالذرة … ما حاولتي تزرعيها مرة ثانية ؟ هع هع

دمت بفرح :)

5. fashkool - 23 يناير 2010

أشكرك نوف .. جداً رائع ما كتبتِ .. جداً !

6. معاوية الرواحي - 23 يناير 2010

واجد غاوية هذي التدوينة نوف ..

أ

7. إبراهيم... العذب ^_^ - 24 يناير 2010

نوف…

فعلا هي الأيام ساخرة

فقط… دعكِ من صباحكـِ السعيد ذاكْ

فـ القادم مذهلٌ أكثر (كما يشوقنا الكذابون)

\\//\\

ويحي… ولــ كأنني اتحدث بلسان ذلك الذي تمقتينه،،،!!

سـ أرحل قبل أن تقتلع وصية الحظ تلك آخر حظوظي في المثول هنا أمامك

قد يكون حظي في أخرى.. إن وجدت وصية أخرى على لسان والدك

مودة ^_^

8. أحمد .. اذا لم تخني الذاكره - 27 يناير 2010

ما شاء الله … ايه الإبداع ده ؟ .. اسلوب راقي و متميز ما شاء الله

اول مره ازور المدونه بس ان شاء الله نتابع دايما مع حضرتك

كل المدونين بقو بيكتبو باحترافيه و انا اللي وقعت من قعر الأفه يعني ؟

ههههههههه

يا ريت اتشرف بحضرتك في مدونتي المتواضعه

http://ra7alaat.blogspot.com/

شكرا لوقتك